صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
293
شرح أصول الكافي
بها ، وقيل أيضا : ان الخير برضائه والشر بقضائه على قياس من لسعت الحية إصبعه وكانت سلامته موقوفة على قطع إصبعه ، فإنه يختار قطعها بإرادته لكن بتبعية إرادة السلامة ، ولولاها لم يرد القطع أصلا يقال : هو يريد السلامة ويرضى بها ويريد القطع ولا يرضى به إشارة إلى الفرق الدقيق . وأنت تعلم انّ اسلم هذه المذاهب الثلاثة من الآفات وأصحها المذهب الا خير لكونه كالمتوسط بين الجبر والتفويض وكالمزاج المعتدل بين طرفين متضادين . فخير الأمور أوسطها . لكن هاهنا مذهب اخر هو مذهب العرفاء المحققين والأولياء الكاملين وهو مذهب أئمتنا عليهم السلام كما سيلوح إليه بعض الأحاديث الآتية ، ونسبته إلى المذاهب الثلاثة نسبة الطبيعة الفلكية إلى الحار والبارد والمعتدل العنصري على ما رأينا من كون تلك الطبيعة مع بساطتها جامعة للصفات والكمالات العنصرية على وجه أعلى واشرف ممّا يوجد فيها ، فمن نظر إلى الأسباب القريبة لافعال العباد قال بالقدر أو التفويض ، اى بكونها واقعة في قدرتنا مقدّرة بتقديرنا مفوضة إلينا ولهذا قال تعالى : القدرية مجوس هذه الأمة ، وقيل في الفرس نظما : چنان كان گبر يزدان واهرمن گفت * مر اين نادان أحمق ما ومن گفت لانّهم اصروا كالمجوس على أن الشرور صادرة من غير الله بالاستقلال وانها تقع بإرادتنا لا بإرادته تعالى وفضائه ، ومن نظر إلى السبب الاوّل وقطع النظر عن الأسباب المتوسطة وترتيب صدورها وعن السبب القريب وجعل الكل مستندة إليه تعالى ابتداء بلا مراعاة ترتيب وحكمة ونظام وغاية قال بالجبر وخلق الاعمال ولم يفرق بينها وبين افعال الجمادات وكلاهما أعور لا يبصر الّا بإحدى العينين ، اما القدري فبعينه اليمنى اى النظر الا قوى الّذي به يدرك الحقائق ، واما الجبري فبعينه اليسرى اى الأضعف الّذي به يدرك الظواهر . واما الحكيم الّذي قلبه ذو العينين وذو النظرين ينظر إلى الحق باليمنى فيضيف الافعال كلها خيرها وشرّها إلى قضاء الله وقدره كما علمت وينظر إلى الخلق باليسرى ، فثبت تأثيرهم في الافعال به سبحانه لا بالاستقلال وتحقق بمعنى قول